محمد بن جرير الطبري

43

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

الديوان قال كعب : فما رجل يريد أن يتغيب إلا يظن أن ذلك سيخمي ما لم ينزل فيه وحي من الله . وغزا رسول الله تلك الغزوة حين طابت الثمار والظلال ، وأنا إليهما أصعر . فتجهز رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون معه ، وطفقت أغدو لكي أتجهز معهم ، فلم أقض من جهازي شيئا ، ثم غدوت فرجعت ولم أقض شيئا . فلم يزل ذلك يتمادى حتى أسرعوا وتفارط الغزو ، وهممت أن أرتحل فأدركهم ، فيا ليتني فعلت ، فلم يقدر ذلك لي ، فطفقت إذا خرجت في الناس بعد خروج النبي صلى الله عليه وسلم يحزنني أني لا أرى لي أسوة إلا رجلا مغموصا عليه في النفاق أو رجلا ممن عذر الله من الضعفاء . ولم يذكرني رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بلغ تبوك ، فقال وهو جالس في القوم بتبوك : " ما فعل كعب بن مالك ؟ " فقال رجل من بني سلمة : يا رسول الله حبسه برداه والنظر في عطفيه . فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم فبينا هو على ذلك رأى رجلا مبيضا يزول به السراب ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " كن أبا خيثمة " فإذا هو أبو خيثمة الأنصاري ، وهو الذي تصدق بصاع التمر ، فلمزه المنافقون . قال كعب : فلما بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد توجه قافلا من تبوك حضرني همي ، فطفقت أتذكر الكذب وأقول بم أخرج من سخطه غدا ؟ واستعين على ذلك بكل ذي رأي من أهلي . فلما قيل : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أظل قادما زاح عني الباطل ، حتى عرفت أني لن أنجو منه بشيء أبدا ، فأجمعت صدقه . وأصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم قادما ، وكان إذا قدم من سفر بدأ بالمسجد فركع فيه ركعتين ثم جلس للناس ؛ فلما فعل ذلك جاءه المخلفون ، فطفقوا يعتذرون إليه ويحلفون له ، وكانوا بضعة وثمانين رجلا ، فقبل منهم رسول الله صلى الله عليه وسلم علانيتهم وبايعهم واستغفر لهم ، ووكل سرائرهم إلى الله ؛ حتى جئت ، فلما سلمت تبسم تبسم المغضب ، ثم قال : " تعال " فجئت أمشي حتى جلست بين يديه ، فقال لي : " ما خلفك ، ألم تكن قد ابتغت ظهرك ؟ " قال : قلت يا رسول الله إني والله لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا لرأيت أني سأخرج من سخطه بعذر لقد أعطيت جدلا ، ولكني والله لقد علمت لئن حدثتك اليوم حديث كذب ترضى به عني ليوشكن الله أن يسخطك علي ، ولئن حدثتك حديث صدق تجد علي فيه إني لأرجو فيه عفو الله ؛ والله ما كان في عذر ، والله ما كنت قط أقوى ولا أيسر مني حين تخلفت عنك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أما هذا فقد صدق ، قم حتى يقضي الله فيك " فقمت ، وثار رجال من بني سلمة ، فاتبعوني وقالوا : والله ما علمناك أذنبت ذنبا قبل هذا ، لقد عجزت أن لا تكون اعتذرت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بما اعتذر به المتخلفون من تبوك ، فقد كان كافيك ذنبك استغفار رسول الله صلى الله عليه وسلم لك . قال : فوالله ما زالوا يؤنبونني ، حتى أردت أن أرجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأكذب نفسي . قال : ثم قلت لهم : هل لقي هذا معي أحد ؟ قالوا : نعم لقيه معك رجلان قالا مثل ما قلت وقيل لهما مثل ما قيل لك . قال : قلت من هما ؟ قالوا : مرارة بن الربيع العامري وهلال بن أمية الواقفي . قال : فذكروا لي رجلين صالحين قد شهدا بدرا في فيهما أسوة . قال : فمضيت حين ذكروهما لي . ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم المسلمين عن كلامنا أيها الثلاثة من بين من تخلف عنه ، قال : فاجتنبنا الناس وتغيروا لنا حتى تنكرت لي في نفسي الأرض فما هي بالأرض التي أعرف ، فلبثنا على ذلك خمسين ليلة . فأما صاحباي فاستكانا وقعد في بيوتهما يبكيان ، وأما أنا فكنت أشب القوم وأجلدهم ، فكنت أخرج